أقلام الثورة قبل 9 شهورلا توجد تعليقات
بوليتزر.. مؤلف قصة "زبيدة وأمها"
بوليتزر.. مؤلف قصة "زبيدة وأمها"
الكاتب: جمال الجمل

بوليتزر.. مؤلف قصة “زبيدة وأمها”

(1)

بوليتزر.. مؤلف قصة "زبيدة وأمها" زبيدة

بوليتزر.. مؤلف قصة “زبيدة وأمها”

أُحِب أورسون ويلز، وأحب فيلمه “المواطن كين”، برغم كل تطورات الزمن التي جعلت منه “موضة قديمة” في مؤامرات السياسة وتخطيط الحملات الإعلامية، لذلك يروقني أكثر فيلم “هز الكلب” لباري ليفنسون، مخرج تحفة “رجل المطر”.

والكلب المقصود هو النظام الذي يتلاعب ويصطنع الأكاذيب ليرفع من شعبية رئيس مفضوح خسر شعبيته، فيعيد تقديمه كمحارب يسعى لإنقاذ البلاد من الإرهاب، لذلك تمت الاستعانة بمخرج سينمائي لتلفيق سيناريو حرب وهمية، وعندما يسألونه: ضد من؟ يجيب بلا مبالاة: مش مهم ضد أي عدو.. لتكن مثلا ضد ألبانيا، فيردون عليه: لكن الشعب عندنا لا يعرف أين تكون ألبانيا، فيقول: هذا هو المطلوب، وهل كانوا يعرفون بيروت أو العراق؟

(2)

السيناريو.. يا لها من كلمة يصعب أن تجد لها ترجمة دقيقة بالعربية، بالرغم من أننا غارقون في السيناريوهات، وفي أفلام المقاولات، ومن هنا خطر ببالي أن أضع أمامك مسودة مفككة لعدة سيناريوهات يمكنكم الاستعانة بها في بناء فيلم مقاولات مصري لقصة “اختفاء وظهور زبيدة” التي تتحدث أمها عن مأساتها منذ شهور طويلة، من غير أن يهتم بها مسؤول واحد في الأمن المصري، أو بوق واحد من أبواق الإعلام الرسمي الملتزم بحرفية نصوص السيناريوهات العباسية، لكن لما أطلقت “BBC” طلقة صوت وثائقية لا تزيد عن 20 دقيقة، تغير إيقاع واهتمام الدولة بأكملها، وظهرت زبيدة، وحمل وزير خارجية مصر قصتها معه إلى جنيف، ليؤدي “دوره” في السيناريو المعد سلفاً.

(3)

يبدو تعبير “السيناريو المعد سلفاً” مستفزاً، ويرقى إلى درجة التشكيك والغمز على نزاهة الصحافة ومؤسسات الأمن في مصر، لكن هذا التصور خاطئ جداً؛ لأن رغبتي في التشكيك والغمز تتجاوز الحالة المصرية إلى خلل في طبيعة العلاقة بين أنظمة الحكم المجرمة وبين وسائل الإعلام المتعاونة معها، وهذا ما يشغلني منذ سنوات وكتبت فيه الكثير، فاضحاً وطامحاً.. فاضحا لعلاقة التحالف المريب الذي يستهدف إدارة عقول ومشاعر الجماهير، وطامحاً لاستقلالية تبدو حلماً يخاصم الواقع؛ لأنني مع كل سيناريو للتلفيق المضاد للحقيقة تعلو في رأسي صيحات: “تذكروا الماين”… “الموت للإسبان”، وهذه الصيحات كانت في البدء مانشيتات لصحيفة “وورلد” التي ترأس تحريرها في القرن 19 الصحفي الأمريكي الشهر جوزيف بوليتزر، الذي أطلق حملة كبيرة ضد الإسبان، اتهمهم فيها بتدمير البارجة “ماين” في خليج هافانا (عام 1898) وعلى متنها 260 شخصا، مؤكدا أن الإسبان زرعوا لغماً تحت هيكل السفينة، وندد بما أطلق عليه “معسكرات الموت” لديهم، ووصفهم بأنهم من أكلة لحوم البشر.

ولأن السياسي لا يكتفي في نشر سيناريوهاته بصحيفة واحدة، فقد حظيت الحملة بدعم قوي من رجال الأعمال (خاصة الذين يستثمرون في كوبا ويريدون التخلص من الإسبان هناك)، كما شارك مع بوليتزر قادة إعلاميون آخرون مثل راندولف هيرست، مؤسس صحيفة “نيويورك جورنال”، وبعدها انضمت سائر الصحف إلى “الهوجة” تطالب بالثأر، حتى صار الرأي العام في حالة من الهوس والاستعداد للثأر، حينها أعلن الرئيس وليم ماكنلي الحرب في نيسان/ أبريل عام 1898.

وعندما نتذكر أن “حادثة الماين” كانت في شباط/ فبراير، فهذا يعني أن ثلاثة أشهر من التحريض الإعلامي كانت فترة كافية جدا لإقناع الناس بدخول أي حرب، طالما يريدها الساسة، وتعاونهم الرفيقة السرية (الإعلام).

لكن بعد المانشيتات وحديث الثأر والحرب، تبين في عام 1911، وبعد 13 عاماً فقط، أن الانفجار كان حادثاً عرضيا غير مدبر في غرفة المحركات، ونشرت الصحف نفسها الخبر بشكل فاتر عن النتائج التي توصلت إليها لجنة التحقيق في تدمير البارجة “ماين”.

(4)

أين الحقيقة؟ ومتى تظهر؟ وما قيمة وصولها للناس بعد اغتصابها وتزييفها لفترة من الوقت؟

ذلك هو السؤال الذي يشغلني عندما يصرخ الإعلامي ذي الصلات المريبة بالسياسي: أنقذوا الماين.. الموت للإسبان.. هذه هي زبيدة أيها العالم! لأنني أشك دائما أن وراء هذه الصرخات الهيستيرية، أغراض للزيف والتحريف.. للتكذيب والتعليب، للتضييق والتلفيق.

(5)

السيناريو هذه المرة بدأته محررة كبيرة حاصلة على جوائز دولية في التحقيقات الوثائقية اسمها اورلا جرين، امرأة إيرلندية تخرجت من معهد تكنولوجيا في دبلن، واشتغلت كمراسلة لبي بي سي في مناطق خطرة في العالم، عملت نقلة مهنية في العراق في ظروف الحرب والإرهاب، وعملت في القاهرة في أجواء ثورة يناير وما بعدها، وتأخرت جدا حتى قدمت لمحة وثائقية مخففة بعنوان “سحق المعارضة في مصر”، تناولت فيه الأحوال بعد 7 سنوات من تنحي مبارك، و4 سنوات من حكم السيسي.

وقفت جورين في ميدان التحرير وسألت كما نسأل يوميا: أين ذهب الناس؟.. فين الثوار؟ فين شعارت الميدان؟ فين آمال وهتافات الملايين اللي خرجت للثورة؟.. فين الحرية؟.. فين الكرامة؟.. فين العدل والعدالة؟.. فين مصر؟ كما قدمت لمحات وأمثلة مختصرة عن سجن علاء عبد الفتاح كنموذج واحد من المتظاهرين اللي بيمثلوا نشطاء الوعي العمدي بالثورة وحلم الديمقراطية والمجتمع المدني، ولقاء مع الناشطة الحقوقية د. عايدة سيف الدولة، مؤسسة مركز النديم المهتم بالعنف وتأثيراته في المجتمع، وقضايا الاختفاء القسري، والتقت محمود حسين الشهير بـ”معتقل التيشيرت”، ثم التقت بأم تعرضت لمحنة الاعتقال واختفاء ابنتها، وهو الموضوع الذي انفجر إعلاميا تحت عنوان زبيدة وأم زبيدة.

(6)

انتفضت الدولة الطاهرة تتبرأ من الاعتقال والخطف والاغتصاب والإخفاء، وحمل سامح شكري “قصة زبيدة” إلى جنيف للرد على اتهامات تهدد وتمهد لمحاكمات إنسانية لمسؤولين في مصر، لكن هل يمكن تصنيع سيناريو لتبرئة مصر بدس ورقة مزورة في أحراز القضية؟

سؤال استفزازي جديد، تفرضه صيحات إيطالية توقظ ضمير العالم: لا تنسوا دم ريجيني، وتفرضه صيحات مصرية في كل مكان: فين حق الخمسة ركاب الميكروباص؟ فين حق يوسف؟ فين الثورة ووعود الرخاء وخفض الأسعار؟.. أكيد النظام ده بيتلاعب بنا ويمثل علينا!.. أيوه تمثيل.. أيوه سيناريوهات.. فاكرين تعبير أحمد شفيق: هيوضبوا له كل حاجة؟ فاكرين الطريقة اللي اتعملت بها تمرد؟ فاكرين الطريقة اللي اتعمل بها البرلمان الحالي، شايفين عملية سيناء 2018 وما يحدث من مواجهة إرهابيين؟ شايفين المرشح الرئاسي الذي تم تصنيعه لمنافسة “أونكل السيسي” اللي بحبه موت أنا والمدام والأولاد؟! شايفين حياتنا الزائفة بكل ما فيها؟ شايفين الوزرا واللواءات والإعلاميين؟ وشايفين أشرف الخولي أو من يمثله أشرف الخولي؟..

(7)

الكل لابس مزيكا، وشغال في الفابريكا، والإعلامي الذي استخدمته الخارجية (عمرو أديب) يقول شاكراً ومفاخراً: “انا ماعملتش حاجة، ولا أعرف حاجة.. الداخلية اللي جابت زبيدة وعملت كل حاجة”، هذا التصريح يكفي لبعض مما نريد الاتفاق عليه:

1- وجود تعاون أمني وثيق بين الأمن والإعلام.. لماذا لم تدعُ الداخلية إلى مؤتمر صحفي لحسم القضية أمام كاميرات ومراسلي الداخل والخارج؟

2- أجهزة الدولة تتحدث عن مؤامرة ضدها، وتتهم “BBC” بالتخلي عن قواعد الإعلام والعمل ضد مصر، لكن القصة التي قدمها الإعلام الموالي في القاهرة تخلو من أي قواعد إلا تحضير الداخلية لمصدر واحد في القصة، بينما غاب الطرف الثاني عن المواجهة، وغاب معها الحياد والتوازن، كما تم التصوير في مكان مجهول وفي ظروف تعتيم نأت ببقية وسائل الإعلام عن السؤال والتحقق.

3- فكرة التصنيع حاضرة بقوة ويتم تبادلها بين الطرفين، ما يعني ضرورة التفكير فيها، لدحض احتمال طبخ القصة من جانب “BBC” لصالح جهة معادية لمصر! أو طبخها من جانب الأجهزة المصرية بسيناريو متأن طويل المدى لتجهيز ردود للمجتمع الدولي على ورطة الإخفاء القسري! ويمكن في ذلك الاستعانة بأشخاص ووقائع حقيقية يتم توظيفها وتوريطها عن بعد، حيث يمكن خطف الفتاة وإبلاغ الأم، ثم تغذيتها بمعلومات تدفعها للتصرف في اتجاه مرسوم، ويفسحون لها المجال لإعلان القصة وتضخيمها، بينما يتم صناعة حياة موازية للبنت بطريقة التأثير أو التهديد أو غسل المخ، أو استثمار أزمة موجودة فعلا كالخصام مع أمها، أو تأثيرات الانتفراد بها في حياة منعزلة.. وكل هذا ضمن الجرائم الإنسانية؛ لأنه يدمر الشخصية ويغير السلوك، وعلى الجانب الآخر.

المؤكد أن الأجهزة كان لديها علم بتصوير الوثائقي، ويمكنها بسهولة زرع عنصر أو أكثر في الفريق لتوجيه القصة عن طريق إتاحة مصدر مهم (الأم) يروي عن واقعة اختفاء قسري مؤثرة، ثم تأتي لحظة التشكيك في الرواية أو جانب منها، لإثارة شكوك وبلبلة حول القضية كلها، هذا في ظل فضاء معتم تتوسع فيه ظاهرة الحجب والتكميم ومطاردة الآراء السياسية والتوجس من الحريات بأنواعها.

(8)

يتبقى لدي سؤال الطفل البريء: أين ثياب الإمبراطور؟.. فنحن لدينا جثة، ولدينا 18 متهما، كل منهم يصرخ: أنا بريء أنا بريء، وأثناء التحقيق مع أحدهم زادت الشبهات لأنه تشاجر مع القتيل وهدده، وتم توجيه التهمة له رسميا، ثم ثبت فعلا أنه لم يكن موجودا بالبلاد وقت الجريمة، لكن هذا لا يعني أن براءة واحد أنهت التحقيق في الجريمة، لأن السؤال يظل: إذا كان “هشام مصطفى لم يقتل سوزان تميم”.. فمن يكون القاتل؟

هكذا فإن قصة محمد الديب، أو قصة زبيدة، أو قصص العشرات غيرهم، لا تعني أن مصر خالية من الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري. صحيح أن هناك عشرات يمكن دس أسمائهم لأسباب كثيرة، منها السياسي، ومنها أيضا رجل العصابة الذي يريد التخفى واستخراج هوية مزورة ليعيش بشخصية جديدة، أو كما حدث في الشهور الأولى للثورة: سيدة قتلت زوجها بمساعدة عشيقها ثم ألقت جثته بين شهداء ماسبيرو، أو شاب هجر عائلته والتحق بتنظيم إرهابي..

لكن مثل الحالات لا تنسف القضية من أساسها، كما أنها تعبر عن إهمال أمني شديد، وعن غياب الشفافية وحصار المعلومات، ورغبة من النظام في استمرار التعتيم والظلام لإعادة توظيف كل شيء لمصلحة ركوبه على ضهرنا طول الوقت.

زبيدة ليست القصة.. القصة اسمها بهية

* نقلاً عن موقع عربي 21

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

شاهد ايضا
المُرَقِّعُونَ في الأَرض
المُرَقِّعُونَ في الأَرض
المُرَقِّعُونَ في الأَرض.. أَرَادُوا أنْ يُوثِقُوهُ فَعَقَلَهُم، وأنْ يُثْبِتُوهُ فَعَقَرَهُمْ!! ، ومَا كَفرَ الرجلُ بمبادِئِهِ وإنْ
الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم