أقلام الثورة قبل 3 شهورلا توجد تعليقات
إنذار أول يوليو افتتح به السيسي الإطاحة بالجميع
إنذار أول يوليو افتتح به السيسي الإطاحة بالجميع
الكاتب: عمر الحداد

في يونيو 2012, نزل مؤيدو ثورة يناير للميادين احتفالا بانتصار د. محمد مرسي على غريمه ابن الدولة العميقة ورجل مبارك القوي د. أحمد شفيق.

وفي يونيو 2013, بعد عام واحد فقط, نزل كثيرون ممن أيدوا د. مرسي قبلها بعام, يحتشدون ضده مطالبون برحيله. ورغم مرور خمس سنوات على تلك الأحداث الأليمة والتي أوصلت مصر للوضع الحالي الفاشل والمتأزم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا, إلا أن مصر حتى الآن لم تجب على السؤال الضروري والحيوي, كيف حدث هذا التغيير الكبير في عام واحد فقط؟

وللإجابة على هذا، لا بد أن ننظر لمسألة الديمقراطية المصرية من ثلاثة جوانب:

1 – طبيعة عملية التحول الديمقراطيثورة 30 يونيو ... كيف، وإلى أين؟ ثورة

2 – ظروف انتخاب د. محمد مرسي في المرحلتين الأولى والثانية

3 – تلاعب القوى المؤثرة في مصر بالقوى السياسية المختلفة للقضاء على الثورة

1 – طبيعة عملية التحول الديمقراطي:

ينظر لعملية التحول الديمقراطي في أي دولة كعملية محفوفة بالمخاطر. فالتحول الديمقراطي عمليا هو أشبه بعملية زراعة عضو في الجسم, كالقلب أو الكبد أو الكلية أو غيرها من الأعضاء, عملية تحتاج دقة كبيرة, وفيها مخاطرة واضحة, والأهم أن العملية قد تنجح في البداية لكن الجسم قد يرفض العضو المزروع … فهي ليست عملية بسيطة أو هينة.

تحدث الثورة دائما لأسباب اقتصادية بالأساس, ففي كل مرة يكون هناك حاكم ظالم, تتجمع حول هذا الحاكم طبقة من المحتكرين والمستفيدين من ظلمه وجبروته, تحرص هذه الطبقة أن تجمع في أيديها كل ما تستطيع السيطرة عليه من ثروة أو سلطة, السلطة قد تكون سياسية أو إعلامية أو حتى خدمية…

كل هذا لا بد أن يبقى في يد من هم قريبون من الحاكم الظالم. ونتيجة لتكون هذه الطبقة, فإنها تسعى تدريجيا للسيطرة على المال والاقتصاد في الدولة. وحين يصل الفقر لمرحلة معينة (تختلف من بلد لبلد لكنها تتراوح حول وصول الإنفاق على الطعام إلى ٤٠٪ من دخل الأسرة كما يقول بعض الاقتصاديين), حينها تصبح الحياة شديدة الصعوبة وينزل الناس للشوارع مطالبين بظروف معيشة أفضل …

وهذا ما حدث تقريبا في كل الثورات بما فيها الثورة المصرية …

بعد الثورة, تتولى قوة المعارضة الرئيسية حكم البلاد, وحيث أن هذه القوة المعارضة نشأت أساسا في نظام غير ديمقراطي, فإنها تقع (باستثناءات قليلة) في خطأين كبيرين:

أولاً: تسعى للوصل للحكم والبقاء فيه لفترة طويلة, رغم عدم وجود خبرة بالحكم كونها لم تمارس السياسة من موقع الحاكم من قبل .

ثانياً: تسعى للسيطرة و”التكويش” على الحكم وحدها, باعتباره تعويضا عن سنوات الكفاح والسجون والعذاب تقريباً منذ الثورة الفرنسية, لم تنج ثورة واحدة من المرور بهذه التجربة, وربما تعد تجربة تونس استثناء نادرا في هذا.

بعد وصول القوة الثورية للحكم, تبدأ المشاكل في الظهور, وهنا يأتي دور الثورة المضادة, التي ما زالت -عمليا- تدير الدولة بكافة وزاراتها, فكل القيادات التنفيذية في الوزارات موالية للنظام القديم, مما يعقد الأمر ويصعب الموقف.

وقد مرت بهذه التجربة تقريبا كل الثورات, فقديما مرت به الثورة الفرنسية, حيث حكمها الثوار بتخبط كبير ثم استولى نابليون بانقلاب عسكري على الحكم, وقريبا مرت به ثورة إندونيسيا, التي ظلت فترة طويلة بعد زوال حكم سوهارتو في حالة عدم استقرار بين قوى ثورية إسلامية (عبد الرحمن واحد) ثم قوى نظام قديم (ميجاواتي سوكارنو, ابنه سوكارنو رئيس إندونيسيا الأسبق)… لهذا, فاختيار القوة الثورية الأكبر أن تنافس على السلطة اختيار غير حكيم نهائيا, بل هو أقرب للانتحار السياسي, وهو للأسف ما وقعت فيه القوة الثورية الأكبر, أي القوى الثورية الإسلامية, في مصر بعد عزل مبارك.

2 – ظروف انتخاب د. محمد مرسي في المرحلتين الأولى والثانية:

حين حصل د. محمد مرسي على المركز الأول في المرحلة الأولى من الانتخابات, اتضح جليا أن القوة الانتخابية الإخوانية بكل مؤيديها تمثل أقل من ربع القوة التصويتية للناخبين المصريين. وهو ما يعني أنه لتحقيق انتصار انتخابي, لا بد أن يكون هناك توحد بين كافة القوى الثورية.

وقد تحقق هذا بصورة جزئية في الفترة ما بين الجولتين الأولى والثانية, وكنتيجة طبيعية لهذا, فقد رأى كثير من قادة القوى الثورية الأخرى أنه يجب أن يكون لهم نصيب أو مشاركة ما في الحكم الجديد, وهو ما تسبب في مشكلة خطيرة.

فطبيعة المرحلة, ونتيجة وصول الإخوان للحكم بعد كل ما حدث لهم في فترة مبارك, كان هناك سعي واضح للسيطرة على إدارة الدولة وتسييرها بصورة معينة. هذه الصورة لم تكن مقبولة بالنسبة لكثير من المنتمين للقوى الثورية المختلفة. وكنتيجة طبيعية لعدم وجود أي خبرة في ممارسة الحكم من قبل الطرفين (القوى الثورية الإسلامية والقوى الثورية المختلفة عنها فكريا) فقد ظهر هناك صراع أيديولوجي بين الطرفين.

والحقيقة أن هذا الصراع لم يكن وليد اليوم, فمنذ العهد الناصري قرب عبد الناصر القوى العلمانية كي تشكل العمود الثقافي للدولة المصرية, مستفيدا منهم في صراعه مع الإخوان. في عهد السادات انعكست الآية, مبارك لعب على التوازن بين الطرفين, مع الإبقاء دائما على شعلة الخلاف بينهما.

 المجلس العسكري استثمر كثيرا في هذه السياسة, بدءا باستفتاء مارس وغزوة الصناديق. وبالتالي, فالانقسام الأيديولوجي والفكري كان أكبر وأخطر من أن يتحمله نظام حكم جديد هش كنظام د. محمد مرسي. الأخطر من هذا, أن القوى الثورية لا زال بينها وبين الإخوان خلاف حتى الآن, فكثير من قيادات الإخوان يقولون أنهم عرضوا على بعض قادة القوى الثورية المشاركة في الحكم, ويؤكد قادة القوى الثورية في تلك الفترة بأن هذا لم يحدث.

وحتى الآن, فإن كافة الاتفاقيات التي عقدت بين الطرفين قبل الجولة الثانية من انتخاب د. محمد مرسي لم تعلن بكافة تفاصيلها, وهو ما يعني أن هناك جزءا من الحقيقة يظل غائبا عن النظر.

استغل قادة المجلس العسكري المصري هذا الخلاف في شيطنة كل طرف عند الطرف الآخر, وانتهى الأمر عمليا بتشكيل جبهة الإنقاذ التي مثلت الظهير الفكري الداعم للانقلاب على حكم د. محمد مرسي.

وكنقطة هامة جدا هنا, نصيب التيارات الإسلامية من المشاركة الفكرية والإنتاج الفني في مصر قليل جدا, فكم عدد الكتاب الكبار من الإسلاميين؟ كم عدد الممثلين من الإسلاميين؟ كم عدد المذيعين من الإسلاميين؟ طبعا الرد الجاهز هو أن نظام مبارك كان يمنع ظهور أمثال هؤلاء, وهذا صحيح نسبيا, لكن لم يمنع أحد الإسلاميين من تكوين كوادر فنية وفكرية يمكن الاعتماد عليها.

 والنتيجة الطبيعية لهذا, أن الإعلام المصري انحاز بكل ثقله لجبهة الإنقاذ, مما أدى لإعطاء ظهير شعبي قوي جدا للانقلاب على الرئيس المنتخب والدخول إلى الأزمة الحالية.

3 – تلاعب القوى المؤثرة في مصر بالقوى السياسية المختلفة للقضاء على الثورة:

من الأمور التي أصبحت واضحة تماما للعيان هو أن القوى السياسية المصرية تعرضت كلها للتلاعب, وقد ذكر سابقا بعض صور هذا التلاعب كما في استفتاء مارس, لكن ما يغفل عنه كثيرون هو أن هذا التلاعب لم يكن فقط وليد تخطيط المجلس العسكري المصري, بل كانت هناك أمور أكبر وأخطر كثيرا من هذا.

على سبيل المثال, منذ انتصار ثورة يناير 2011 وتصريحات السياسيين والخبراء الأمريكيين لا تتوقف عن الحديث عن أننا لا نرفض الإخوان كجزء من نظام الحكم في مصر.

 بل إنه حتى في إسرائيل, العدو التقليدي لكافة التيارات الإسلامية, فقد كانت الصحافة الإسرائيلية تتحدث بوضوح عن ضرورة القبول بما ستسفر عنه الانتخابات المصرية بما فيها احتمال مجيء الإخوان للحكم.

الأخطر من هذا, منذ تشكيل حزب الحرية والعدالة وبدء الزيارات الخارجية للتعرف على المواقف الدولية تجاه الإخوان, فقد كانت وفود الحزب دائما تقابل بالترحيب وإظهار العلاقات الودية. حدوث كل هذا يدفع لاحتمالين:

أولاً: أن هذه القوى كانت تريد بالفعل أن يصل الإخوان للحكم كي يفشل حكمهم, كما حدث في كل الثورات تقريباً.

ثانياً: أن هذه القوى كانت ترى الإخوان بالفعل بديلا يمكن التعامل والتحاور معه, بطريقة سياسية وليس على طريقة تنظيم القاعدة وداعش من بعده.

أيا كانت النيات, فالثابت أن هذه القوى عمليا ألقت بالإخوان في البحر دون أن تكون لهم أدرى معرفة بالسباحة. الأخطر من هذا أن مسؤولا كبيرا مثل د. محمد البرادعي تحدث بوضوح بعد انقلاب يوليو أنه كان واحدا ممن ذهبوا لإقناع الدول الغربية بالتخلي عن دعم الإخوان والقبول بالانقلاب العسكري في مصر. وكنتيجة طبيعية لهذا, حدث الانقلاب ولم يقدم أحد (باستثناء قطر وتركيا) يد العون للإسلاميين في مصر.

  فالإسلاميون عملا تعرضوا لعملية خداع متقن, دفع بهم للحكم في لحظة قوتهم ثم تخلى عنهم في لحظة احتياجهم للدعم الإقليمي والدولي.

وأخيراً, من الضروري جدا استيعاب هذه التجارب وتحليلها والاستفادة مما حوته من أخطاء. إلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية وعلى خيانة العسكر, رغم أنه هو الخيار المريح نفسيا وذهنيا, لكنه لا يجيب عن السؤال الخطير: أين وقع الخطأ تحديدا؟ تحديد الخطأ والاعتراف به هو أول الخطوات على طريق حل, أو على الأقل حلحلة, الوضع الحالي.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم