أقلام الثورة قبل 5 شهورلا توجد تعليقات
عن الإخوان: التيار ليس حلا .. تعقيباً على الدكتور الشنقيطي
عن الإخوان: التيار ليس حلا .. تعقيباً على الدكتور الشنقيطي
الكاتب: ياسر فتحي

نشر الدكتور محمد الشنقيطي مقالة بعنوان “الكواكبي وحسن البنا وحل التنظيم”[1]، وقد ركز الكاتب على الاتصال بين حسن البنا والكواكبي، وأشار لبعض ملاحظاته على تنظيم الإخوان في مصر فقال: “إن أهم المآخذ على تنظيم (الإخوان) في مصر هي: الإخلال بمبدأ الشرعية القيادية منذ البدء، والجمود القيادي بعد ذلك، وضعْف المرونة الداخلية، والتصلب في الهياكل والإجراءات، وإعطاء السبْق الزمني رجحاناً على الكفاءة، مع إهمال معايير الأمانة والقوة التي جعلها الإسلام أساس الجدارة القيادية، والإفراط في الهرَمية والمركزية رغم أن التنظيمات الانسيابية أفضل وأبقى”.

 كما أكد على أهمية إصلاح التنظيم وليس حله، وعلى أهمية فكرة التيارات وتنوع الحركات أو الجمعيات أو الاحزاب من عباءة هذا التنظيم “وربما يكون من الأفضل في المستقبل أن يكون للإخوان -كمدرسة فكرية عريضة- أكثر من تنظيم، وأكثر من حزب، وأكثر من جمعية، وأن يراعوا التخصصات والسياقات القانونية والسياسية في البناء التنظيمي”.عن الإخوان: التيار ليس حلا .. تعقيباً على الدكتور الشنقيطي الإخوان

لدي بعض الملاحظات تتعلق بالإشارات المتكررة أن حل أزمات تنظيم الإخوان تتعلق باللجوء إلى تعدد التنظيمات التي تنتسب إلى ذات المدرسة الإخوانية وفكرة البنا، وبعضها يشير إلى تعدد الأحزاب أو الأفكار والمشاريع السياسية أو الفصل والتمييز بين الدعوي والسياسي، وبرأيي إن عدم التركيز العميق على جوهر الأزمات الحالية قد تجعل فكرة تعدد التنظيمات والهيئات أو الفصل بين الدعوي والسياسي هي فكرة لتعدد الأزمات بلافتات متعددة، وسأذكر بعضا من هذه الملاحظات في إشارات سريعة:

1- فكرة شمولية الإسلام:

المتأمل بدقة في أدبيات البنا سيجد أن فكرة شمولية الإسلام هي “الحلقة الرئيسة في فكر حسن البنا وموقفه”[2]، ويوضحها البنا بأن: “الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا”[3]، ويقول أيضا“فإنّا نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعا، و يفتي في كل شأن منها و يضع له نظاما محكما دقيقا، ولا يقف مكتوفا أمام المشكلات الحيوية و النظم التي لا بد منها لإصلاح الناس.”[4]

وهي فكرة بحاجة لمزيد من التمحيص والتدقيق والتحرير، ليس على المستوى الفكري فقط ولكن على المستوى الحركي كذلك، باعتبار أن الجماعة تنظيم حركي بالأساس، فالإسلام وما يمكن استنباطه من المبادئ والقواعد والأحكام إضافة لتاريخ تطبيق هذه الأحكام في سياقات وأزمنة مختلفة يُعد بالفعل مرجعية ملهمة لكثير من الناس، ويمكنه أن يكون ملهما ومحفزا لآخرين أن ينتجوا نظمهم وبرامجهم الخاصة المتفقة مع الإسلام وجوهره لتكون سبيلا وخلاصا لأزمات ومشاكل الناس والبلاد وتحدياتهم.

وهنا يقع العبء الأكبر ليس على الإسلام -الذي فيه كل شيء وينتظم كل شيء بحسب وصف البنا- بل يقع العبء على السياسيين أن يتنافسوا في خلق وإعلان تلك البرامج والنظم التي تعبر عن الإصلاح السياسي والاقتصادي، وانحيازاتهم في السياسات العامة الداخلية، وتصورات النهضة والتنمية، وتقوية النسيج الاجتماعي، وعلاقة ذلك بالوضع الاقليمي والدولي، ونظريتهم للأمن القومي إلخ، وما سيترتب على ذلك من نظرتهم للمشكلات والأزمات وحلها حلا جوهريا ممكنا، وقبل كل ذلك ما هو مشروعهم لمواجهة الاستبداد والانتصار عليه.

 كل ذلك يتطلب برامجا تحتاج من يخلقها ويطورها ويجعلها واقعا صالحا للتطبيق.

لذا قد يكون الإسلام أو المقصود بشمولية الإسلام أنه مرجعية ملهمة، أو أنه منظور يمكن النظر من خلاله بعد تحديده وضبطه، على أية حال فإن فكرة شمولية الإسلام وأنه ينتظم كل شيء ويضع لها نظما محكمة لا نراها الآن بين السياسيين في مشروع واضح فريد.

2- مشكلة إدارة الصراع مع قوى الاستبداد:

لدى الجماعة منذ عهد المؤسس أزمة تتعلق بإدارة الصراعات السياسية، فغالبا ما كانت تنتصر الجماعة في مجالات الدعوة والانتشار وتنهزم في الصراعات السياسية، وهي أمور لن تُحل بالاعتماد فقط على تراث وأدبيات وتاريخ البنا.

يُجمع الإخوان المسلمون أن حسن البنا هو الشخصية الإخوانية الفذّة الذي أسس الحركة وأسس الفكرة وأدبياتها التي يقيسون بها الحركة حتى الآن، وقد انتهى الصراع الذي دخل فيه البنا -مُكرَهًا- مع الملك وبعد محاولته للمشاركة في الصراع ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين إلى إخفاق المؤسس نفسه، بمقتله وحظر الجماعة -دون وجود أي تصور مسبق لهذه المرحلة- رغم امتلاك البنا وجماعة الإخوان وقتها قوة فكرية ورمزية واجتماعية وعسكرية، لكن انتهت هذه القوة بمقتل البنا ودخول الجماعة في حالة من التنكيل والاضطهاد وتفكيك البنية التنظيمية، سرعان ما ظهر أمل في تغيير هذا المنحى بحركة يوليو ١٩٥٢ لكن آلت إلى عودة الاضطهاد والعجز، وأصبحت الجماعة في انتظار مخلص لها وللناس، فبدل أن كانت الجماعة تسعى للتغيير أصبحت تنتظره، لينقذها من الاضطهاد والقمع والقهر.

3- غياب المشروع السياسي:

المتأمل في رسائل البنا لن يجد مشروعا سياسيًا بالمعنى المعاصر، بل سيجد توضيحًا للفكرة الإسلامية العامة والمبادئ الأساسية التي تتعلق بالحكم حتى تتوافق مع الإسلام، لخّصها البنا في: “مسؤولية الحاكم، ووحدة الأمة، واحترام إرادتها، ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء والأشكال”[5]، كما سيجد المتأمل بعض المطالب المتعلقة بالدستور أو المعاهدات أو بعض المطالب في ثنايا رسالة التعاليم أو نظام الحكم أو الحديث عن مشكلات النظام الاقتصادي دون أن تنتظم جميعا في إطار نظام وبرنامج شامل واضح المعالم، بما يمكننا قوله أن وضوح الفكرة الإسلامية العامة لم يكن بنفس وضوح المشروع.

وقد عبّرت رسالة إخوانية صدرت من قسم التربية عام 1945 قائلة: “ويمكن أيها الإخوة أن تستحضروا في أذهانكم ما تسمعونه في الاجتماعات والحفلات والكثير مما تقرؤون في الرسائل المختصرة التي بين أيديكم، فستجدونها جميعا قضايا كلية لا تتدخل في التفاصيل إلا بقدر محدود. والطابع الغالب على الفترة التي مضت من حياة الإخوان كان جمع الناس على هذه الكليات… وليس من المعقول أن تظل الجماعة حية في هذه الدائرة المحدودة”[6].

يمكننا إذن النظر للبنا أنه كان مؤصٍّلا للفكرة الإسلامية والمبادئ العامة، ومطالبا ببعض الإجراءات التفصيلية البسيطة، ولا زال المشروع السياسي الحقيقي بحاجة لجهود حقيقية، ولا يمكن أن يكون هذا المشروع مجرد جهد للجنة محدودة مع استشارة بعض الخبراء، أو نتيجة نقاشات نخبة محدودة بالجماعة، لكنه يجب أن يكون مشروعا يعبر عن الحركة وأعضائها جميعا، يفهمونه ويتدارسونه ويطورونه باستمرار، ويخضع له الخطاب والنخبة والقيادة والتخصصات المختلفة.

فالمشروع جوهر أساسي للحركة وليس أمراً فرعياً مكملاً.

4- مشكلة الانشغال التشغيلي:

فالجماعة تعتمد أكثر على تنزيل المبادئ الإسلامية العامة -خاصة مبدأ الشمولية- إلى واقع حركي بين الأفراد والمجتمع، وهي تخلق زخما حركيا هائلا من الخطط والبرامج التشغيلية الحركية التنفيذية، وتجعل أكثر طاقة الجماعة في الإطار التنظيمي التشغيلي -الذي هو في جوهره في الإطار الدعوي-، وهي خطط لا تخلق متخصصين محترفين في المجالات المختلفة التي تحتاجها البلاد وكذلك لا تخلق سياسيين محترفين متميزين، بل تحتاج إلى ضم المتميزين وليس خلقهم، وإن تواجدوا فلن يجدوا برامجا وخططا داخلية مناسبة للإطار السياسي والحضاري النهضوي، وفي النهاية يمكن للاستبداد أن يستبعدهم ويخضعهم ويخضع المجتمع للقمع بشكل مستمر.

5- التنظيم عماده تربوي دعوي لا سياسي:

عماد تكوين وتأهيل وتصعيد الأعضاء والكوادر تربوي دعوي بامتياز، رغم أن للتنظيم غايات سياسية كبرى منها مثلا ما ذكره البنا عن “تحرير الوطن من كل سلطان أجنبي، وإصلاح الحكومة، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وتحقيق أستاذية العالم”[7]، وبغض النظر عن تقييم وتحرير هذه الأهداف والغايات فإن جوهر أزماتنا التي تفتن الناس في دينهم ومعيشتهم وحتى حياتهم هو الظلم والاستبداد والفساد والقمع والقهر، وإن تطور الصراعات وتطور الأدوات التي يحوزها الاستبداد بالداخل والخارج أصبح يحتاج ما هو أكثر من الدعوة إلى مبادئ وعاطفة إسلامية عامة.

لقد تطورت علوم الاستراتيجية، وإدارة الصراعات والنزاعات، والتغيير والثورات والانتقال والتحول، وما يتطلبه كل ذلك من معارف وثقافة وخبرات وقادة وأدوات لا يمكن أن تكون على هامش أي تنظيم يواجه الاستبداد ويسعى إلى الإصلاح والتغيير السياسي.

ما سبق هو ومضات سريعة تفاعلا مع ما كتبه الدكتور الشنقيطي، وبغير النظر بعمق فلن يكون الحديث عن تيار متعدد التنظيمات أو الحديث عن الفصل والتمايز بين الدعوي والسياسي أو الحديث عن حل الجماعة أو إصلاحها وتطويرها ذا جدوى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] http://blogs.aljazeera.net//blogs/2018/3/13/أوراق-الربيع-33-الكواكبي-وحسن-البنا-وحل-تنظيم-الإخوان

[2] طارق البشري، الملامح العامة للفكر الاسلامي في التاريخ المعاصر

[3] حسن البنا، رسالة التعاليم

[4] حسن البنا، رسالة دعوتنا

[5] حسن البنا، رسالة نظام الحكم

[6] محاضرة ألقيت في المركز العام لجماعة الإخوان بالقاهرة في أكتوبر ١٩٥٣، وطبعت بتاريخ أغسطس ١٩٥٤ تحت عنوان “نحو جيل مسلم”

[7] حسن البنا، رسالة التعاليم بتصرف

*  إقرأ أيضاً حول الموضوع: 

محمد المختار الشنقيطي يكتب: “الكواكبي” و”حسن البنَّا” وحلّ تنظيم “الإخوان”

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم