أقلام الثورة قبل 3 شهورلا توجد تعليقات
عمر الحداد يكتب: الالتزام.. ومذبحة رابعة
عمر الحداد يكتب: الالتزام.. ومذبحة رابعةعمر الحداد يكتب: الالتزام.. ومذبحة رابعة
الكاتب: عمر الحداد

مع الذكرى الخامسة لمذبحة رابعة … يزداد لدينا كثيراً هذا السؤال.. كيف رضي كثيرون بذبح الناس هكذا؟

كي نستطيع الإجابة على هذا السؤال, يجب أن نسأل أنفسنا أولاً… لماذا نعتبر أن المشكلة عند من رضوا بذبحنا؟ أو بصورة أخرى… ما الذي فعلناه نحن كإسلاميين كي يرفضنا الآخرون بهذه الطريقة؟عمر الحداد يكتب: الالتزام.. ومذبحة رابعة رابعة

ربما يكون النقاش هذه المرة من وجهة نظر مختلفة, فقد ناقش كثيرون دور الإعلام في تشويه صورة الإسلاميين من قديم, وقد ناقش البعض دور التلاعب النفسي في ترسيخ مسألة نزع الإنسانية وهو الدور شديد القذارة الذي قام به عدد من الإعلاميين المجرمين, على رأسهم السفاح باسم يوسف, الذي لا يقل دوره عن دور السيسي وغيره من قادة الجيش والشرطة في التمهيد للمذبحة وقبول الناس بها.

عملية نزع الإنسانية dehumanization هي عملية نفسية بالأساس, تستهدف تحقير طائفة من الشعب واعتبارهم مجموعة من الحيوانات في وجهة نظر باقي الشعب, وهو ما حدث مثلا مع يهود ألمانيا في عهد هتلر, وما حدث مع مسلمي البوسنة قبل التمهيد للحرب عليهم هناك… وهو ما حدث ولا زال يحدث في حق الإسلاميين في مصر كي يقتنع الناس دائما أن قتل هؤلاء وذبحهم مسألة مقبولة وطبيعية وليس فيها خطأ …

ومن يريد مثالاً على هذا فليراجع أغنية باسم يوسف التي قال فيها “السيسي فشخ الإخوان” كي يدرك الدور الخطير, حيث حول هؤلاء المجرمون الأمر إلى ما يشبه الاحتفال الكوميدي… وهذا بعد حملة طويلة مخططة بعناية, قام فيها هؤلاء بتحويل الإسلاميين إلى مسخرة في نظر عامة الشعب, فسهل على الناس تقبل قتلهم والقضاء عليهم بتلك البشاعة …

لكننا لم نتساءل عن دورنا نحن كإسلاميين أو كثوار عموما في هذا الأمر, ففي الواقع, نحن من أعطينا باسم يوسف الذخيرة التي أطلقها علينا, وهذا عن طريق كلمات ومقالات قيلت وكتبت بصورة معينة, يفهمها الإسلاميون بمعنى معين, ويفهمها غيرهم بمعاني أخرى تماما …

الكلام هنا أصبح صعبا ويحتاج إلى مثال… أنقل هنا من مقال الأستاذ محمد أبو الغيط, صحيفة الشروق, بتاريخ 3 يناير 2014, كتب الأستاذ أبو الغيط:

“حكى صديقي محمد نعيم أنه شاهد المؤتمر على قهوة، قال أحد روادها “إزاي الناس دي كلها بتغني أغنية ماحدش فينا يعرفها؟”. كان خائفاً من المجهول.” والحديث هنا عن مؤتمر نصرة سوريا … فالرسالة التي وصلت لكثيرين من هذا المؤتمر هي أن الإخوان يستعدون للفتك بكم… بالفعل هذه الكلمة الخطيرة “إزاي الناس دي كلها بتغني أغنية ماحدش فينا يعرفها؟” تلخص المشكلة.

الإسلاميون يتحدثون بلغة لا يفهمها الناس, يتكلمون بمصطلحات خاصة, لهم أغانيهم وأناشيدهم التي لا يعرفها غيرهم… شيء مقارب للحركة الماسونية في أشد صورها رعباً …

مع الفارق أن الحركة الماسونية لم تؤسس حزباً سياسياً ولم ترشح أحداً لرئاسة بلد ما, بل إنها, على الأقل رسمياً, لا تتدخل في السياسة ولا العملية السياسية في بلدانها (طبعا هذا الكلام المعلن رسمياً ينفذ عكسه تماماً, لكن هذا موضوع آخر) … أصبح الإسلاميون الذين كانوا عادة يظهرون على أنهم “ناس طيبة ومحترمة” … أصبحوا يظهرون فجأة, في الخيال الجمعي, على صورة مقاتلين يريدون فرض الشريعة بالقوة … ورغم خطأ هذه الصورة, إلا أنها ترسخت في الأذهان …

والسؤال مرة أخرى … كيف وصلت هذه الصورة المرعبة للناس؟

باقي المقال مؤلم جداً … أرجو من السادة ذوي الحساسية المرهفة وأصحاب القلوب الضعيفة من مؤيدي الحركة الإسلامية التوقف هنا, لأن الباقي سيكون مزعجا جدا.

في رأيي المتواضع والذي قد يكون خاطئاً, فالأصل في هذه الصورة منبعه الإسلاميون أنفسهم, الذين اتبعوا نظام الالتزام.

ونظام الالتزام هنا لا علاقة له بنظام الالتزام الذي كان معمولاً به في العهد العثماني, الذي يكون فيه الملتزم, أو صاحب الأرض, ملزماً بدفع مبلغ معين للوالي العثماني, ثم يقوم الملتزم بتحصيل أضعاف هذا المبلغ عن طريق الضغط واستعباد العاملين عنده من الفلاحين المصريين …

الالتزام عند الإسلاميين له معنى مختلف تماماً, فهو يعني باختصار أن يكون ظاهر الشخص ملتزماً, وهكذا يمكنه أن يكون بين الإسلاميين ومنهم وفيهم.

والالتزام الظاهر له علامات, منها الصلاة في جماعة, عدم الاختلاط, الحجاب بصورة معينة للفتيات والنساء, استخدام الآيات والأحاديث عند الحديث عن أي أمر … فقط.

هذا هو الالتزام في أبسط تعريفاته وأكثرها انتشارا …

لو نظرنا للأمر من ناحية أصولية, فسنجد أن الالتزام كلفظ ليس له أصل, فالقرآن الكريم ذكر قوله تعالى “اهدنا الصراط المستقيم” وقوله جل شأنه “وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه” وقوله سبحانه “فاستقم كما أمرت” … فالحديث القرآني هو باستمرار عن الاستقامة, وليس عن الالتزام..

لماذا لم يستخدم الإسلاميون مصطلح الاستقامة؟

كان هذا أحد أهم تجليات تسلف الإسلاميين, أي التزامهم بالفكر السلفي الوهابي, الذي يعد أحد أهم أركانه الانفصال والتميز عن الغير.

فلو قال الإسلاميون “استقامة” مثلا, فالشخص المستقيم عند من يتحدث العربية هو الشخص الصادق, صاحب الحلق الحسن, الذي لا يغش ولا يخون ولا يتلاعب بغيره …

وبالطبع, ليس هذا هو المعنى الذي يمكن للإسلاميين الحديث عنه, فكل هذه الصفات يمكن أن يستقيم على أساسها أي شخص, سواء كان حريصا على العبادات الظاهرة أو لا,

وبالتالي فمن الصعب جدا عند هؤلاء القول عن شخص مسيحي أنه ملتزم, فهو ليس مسلماً أصلاً كي يلتزم بظاهر تعاليم الإسلام, ولكن لو قلت عن مسؤول مسيحي مثلا, أو مسؤول مسلم لا يصلي, أنه “مستقيم” لم يكون هناك تناقض, فهو “مستقيم” في عمله لكنه غير “ملتزم” الالتزام الظاهري …

وهكذا, ترسخ عند الإسلاميين أحد أخطر المعاني التي تسببت في دمارهم لاحقاُ…

من المهم هنا الحديث أن الأصول العشرين للشيخ حسن البنا رحمه الله لم تذكر كلمة “الالتزام” إلا مرة واحدة وفي سياق مختلف تماماً, كما أنه من المهم أيضاً التذكير أن أغلب الأخوات المنتميات للحركة الإسلامية في سنواتها الأولى لم يكن يلبسن الحجاب, وحتى في المرحلة الناصرية بكل ما فيها, لم تكن ترتدي الحجاب إلا قلة من الأخوات, أغلبهن أتين أساساً من القرى, ولم يصبح الحجاب علامة على “الالتزام” إلا في السبعينيات, بعدما بدأ طوفان الفكر السلفي المدعوم سعودياً في غزو العقلية المصرية …

وحتى حين انتشر الحجاب بفضل الله بين النساء في مصر, وهو أمر جيد جدا وطاعة لله ورسوله, أصبح هناك حجاب بصورة معينة للأخت الملتزمة, وحجاب آخر للأخت غير الملتزمة … في استمرار بسيط لسياسة التقييم على أساس الظاهر.

لماذا ركز الإسلاميون على “الالتزام” ونحوا جانبا الحديث عن “الاستقامة”؟

هذا سؤال شديد الأهمية, وهو في رأيي المتواضع أصل المشكلة.

فالاستقامة كما ذكر من قبل, مسألة من الصعب التحقق منها أو قياسها, بعكس الالتزام الذي يمكن قياسه بنظرة واحدة.

الأخطر من هذا, أن الاستقامة تحتاج إلى سنوات كي يتمكن المرء من تحقيقها, وهو أمر غير مطلوب أساساً في مسألة الالتزام.

الأهم من هذا, أن الالتزام يشبع عند الملتزم شعوراً بالتميز, فكل طلبة الجامعة يفكرون ليل نهار في لفت نظر زميلتهم الجميلة, بينما أنا (بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الثقة وربما الغرور) أرفض كل هذا, لأني ملتزم بشرع الله وهم ليسوا كذلك, فأنا (بمزيد من الثقة والغرور) أفضل منهم وأكثر التزاما منهم …

لهذا مثلاً, ليس عجيباً أن تجد أن أغلب قيادات التيارات الإسلامية بمختلف أفرعها أتوا أساساً من بيئة قروية, يرفض فيها الاختلاط نظراً لطبيعته المحافظة, وينتشر فيها الحجاب لنفس السبب … وحيث أن الغريب, أيا كان, يحتاج وقتاً كي يكتسب ثقة بنفسه في محل إقامته الجديد … فإن توحد الإسلاميين معا, واتفاقهم سوياً على كونهم مميزين عن غيرهم, يغذي هذا الإحساس بفقدان الثقة أو قلتها, ويغذي بالضرورة ثقة في صحة هذا المنهج الذي اتخذوه شعاراً لهم, مخالفين فيه, بشكل واضح تماما, الطريقة التي يسير عليها أغلب المجتمع الذي يعيشون فيه …

فالأمر, في جزء منه على الأقل, يرجع لأسباب نفسية بحتة …

من الصعب القول هنا أن هذه الأسباب وحدها كانت دافعا للالتزام, فمن المؤكد أن من اختار الالتزام, وأغلبهم من الطلبة أو المهنيين المتفوقين في أعمالهم ودراساتهم… من الذكاء بما يكفي كي يروا أن طريق “الالتزام” هو الطريق الصحيح لفهم الدين والتعامل معه… والظاهر فيما حدث بعد هذا أن هؤلاء جميعا يغلب عليهم الإخلاص لفكرتهم والإيمان بصحتها والدفاع عنها حتى الموت (كما رأينا بين شهداء رابعة وغيرهم, رحمهم الله جميعا) …

بيان الدوافع النفسية ليس الغرض منه التشكيك في النيات كما قد يتصور البعض, فالنية هي لله سبحانه وتعالى, لكنه محاولة لفهم لماذا سارت الأمور في مسار معين …

كيف استخدم الالتزام في تدمير الحركة الإسلامية؟

أديت هذه الخطة على مرحلتين, العزل والزرع:

1 – مرحلة عزل الإسلاميين عن مجتمعهم …

قاد هذه المرحلة بشراسة أساطين الإعلام المصري في فترة ما بعد ثورة يناير, مدعومين بتيار قذر من أدعياء الليبرالية.

كان هدف هذه المرحلة هو إشعار المواطن البسيط أن الشخص المنتمي لتيار إسلامي أيا كان هو شخص غير طبيعي. استغلت خطابات كثير من المنتمين للحركة الإسلامية, وأي أخطاء عادية تصدر من بعضهم … استغلت جميعا للهجوم على الإسلاميين والإيحاء أنهم مجموعة من المرضى النفسيين والمشوهين عقلياً.

وقاد هذه الحملة السفاح باسم يوسف, طبعا شاركه فيها كثيرون من الإعلاميين… يكفي القول أن فريق برنامج السفاح باسم يوسف حوى عددا من المنتمين سابقاً للحركة الإسلامية, كل وظيفتهم البحث في خطابات الإسلاميين كلها, وأي شيء يمكن أن يصبح مادة للسخرية يعرض على الشاشة, ويقوم السفاح باسم يوسف بالسخرية منه وإضحاك الناس عليه…

ولم يحدث مثل هذا الشحن الإعلامي تاريخيا إلا في حالات محددة, كإعلام هتلر مع اليهود, أو إعلام الصرب مع المسلمين … وهي حالات كلها انتهت بمذابح وأنهار من الدماء كما حدث مع الإسلاميين في مصر … نجحت هذه المرحلة نجاحاً كبيراً, تبدى في فرح كثيرين بالمذابح التي حدثت للإسلاميين, وسكوت الأغلبية الصامتة عنها كما لو كانت أمرا بسيطا أو ليس محل أهمية …

2 – وهي الأخطر, مرحلة زرع العميل.

طالما أن محور ومقياس الالتزام هو الظاهر, فأبسط شيء أن يقوم بهذا الأمر ممثل بارع مثل السيسي. رجل يبكي في صلاة الظهر, الأولاد صلوا ولا لسة, زوجتي تحفظ قرآن مع زوجة الرئيس مرسي, السيسي زوجته منقبة … كل هذه المظاهر والخدع آتت أكلها عند الإسلاميين, الذين انخدعوا في حديث الرجل بقال الله وقال الرسول, بينما هو ممن يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام.

وقد تحقق في الرجل قول الله, فقد تولى فعلا, ثم سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل. ومن قال له اتق الله رد عليه بأنه طبيب الفلاسفة, وأخذته العزة بالإثم, فحسبه إن شاء الله, إلى جهنم وبئس المهاد.

بهذه الطريقة, تم تدمير الحركة الإسلامية وتوجيه أشد الضربات لها, بسبب وجود خطأ في النظرية من الأساس, استغل هذا الخطأ ولعب عليه كل من أراد أن يسجل نقطة ضد الحركة الإسلامية …

لكن الأخطر, وما حدث على مدى الأيام الماضية مرتبطا بالحديث عن ممثلة معينة, يدل دلالة واضحة أن تصورنا للالتزام, والذي أدى لكل تلك الكوارث, لا زال راسخا بشدة عند أكثر الإسلاميين, بصورة يصبح معها مجرد مناقشة الفكرة الفلسفية للالتزام أمرا لا طائل من ورائه … فالأمر ليس فكرة أو فلسفة, بل هو دين, عقيدة لا يجوز النقاش حولها أو التحاور بشأنها …

وهو ما يعني مزيدا من الكوارث في المستقبل المنظور … إلا أن يرحمنا الله برحمته من هذا المستنقع ..

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم