أقلام الثورة قبل شهرينلا توجد تعليقات
الأخلاق..
الأخلاق..
الكاتب: عمر الحداد

أربع آيات تلخص معنى القرآن وأحكامه, أربع آيات تلخص المعاني الأخلاقية في القرآن, والجميل أن كثيرين يرون هذه الآيات تلخص معاني القرآن كله, وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” .. جعل الأخلاق هدف البعثة كلها.

لنقرأ قوله تعالى في سورة النحل “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”

هذه الآية وصفها عبد الله بن مسعود رحمه الله أنها أجمع آية في كتاب الله, بمعنى أنهى آية تلخص القرآن كاملاً.

ستقول أن اليهود والمسيحيين عندهم آيات تحض على الأخلاق أيضا, كالوصايا العشر مثلا, وسبحان الله تجد الوصايا العشر أيضا في كتاب الله, لكنها في القرآن كتبت بأسلوب يلقي مزيدا من المعاني الجليلة على هذه الجوانب الأخلاقية.

قال تعالى: “قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”.الأخلاق.. الأخلاق

لكنك حين تتفكر في الآيات, تجد أن الله أمرنا فيها بالعدل مرة, الإحسان مرة, نهانا عن الفواحش مرة …

لكن هناك أمرا من الله سبحانه وتعالى ورد ثلاث مرات في هذه الآيات الأربع, وقلما ننتبه له …

اقرأ الآيات مرة أخرى تجد: “لعلكم تذكرون“، “لعلكم تعقلون“، “لعلكم تذكرون“.

الأمر بالعقل والتذكر ورد ثلاث مرات في أربع آيات تلخص معاني القرآن الكريم .

وفي هذا إشارة واضحة شديدة القوة, أن الأخلاق, وعلى عكس ما يعتقد كثيرون, هي قناعة عقلية بالأساس.

تعلمنا قديما أن الخير والشر هما من الله عز وجل, فما أمر الله سبحانه وتعالى به هو الخير, وما نهى عنه هو الشر, فالمسألة إذا سهلة, لو أردنا الالتزام بمحاسن الأخلاق, فأفضل وسيلة لهذا هي الالتزام بما أمر به الله عز وجل, وتجنب ما نهى عنه.

ورغم صحة هذه الفرضية في صورتها الأصلية, إلا أنها عند التطبيق تصطدم بحقائق ومواقف من الصعب أن تجعلها تبقى على استقامتها.

على سبيل المثال: سيدة فقيرة مسنة تعيش ما تبقى لها في شظف العيش وشدته … وتركها أبناؤها ومات زوجها فلم يعد هناك من يسأل عنها.

مات ابنها, وكان ثرياً, وفجأة أتى لهذه المرأة قدر كبير من المال … وجاءت إليك هذه المرأة تسألك: ما هي أفضل وسيلة للتعامل مع هذا المال واستثماره؟

لو قلت لها تضع مالها في البيت, فالمال تقل قيمته مع الوقت, وفي فترة قصيرة تنفق المال كله وتعود لشظف العيش مرة أخرى.

لو قلت تستثمر مالها, ومع نسبة الصدق والأمانة المرتفعة في بلادنا, سيختفي المال ولن تعثر له على أثر, وربما تشارك أنت شخصيا في عمل كهذا في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية …

أفضل حل: هو أن تضع هذه المرأة مالها في أحد البنوك, والبنك يستثمره . لو نصحتها حضرتك بهذا تكون قمت بعمل أخلاقي, فقد حميت مال هذه المرأة فعلا من أن يذهب وراء الشمس, لكنك في هذا وقعت في مخالفة شرعية واضحة, فقد نصحتها بالتعامل بالربا …

ومع هذا الفارق الكبير, نجد أن الأخلاق والشرع قد يكونان مختلفين في بعض المواقف, ولعل هذا كان واضحا في قوله عليه الصلاة والسلام “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه” … فالدين والخلق بينهما مساحة مشتركة, لكنهما ليسا شيئا واحدا …

والسؤال الآن: إذا كانت التصرفات الأخلاقية قد تكون مصادمة للشرع كما في المسألة أعلاه (وهو مثال بسيط جدا, وهناك أمثلة أخرى أصعب وأكثر تعقيدا بكثير)… فكيف يمكن الالتزام بالأخلاق؟ وهل يسير الدين على أساس الأخلاق, أو الأخلاق على أساس نصوص الشرع ؟

المسألة الواردة أعلاه سمعتها مرة من درس لأحد الشيوخ, والرجل كان ولا يزال ذا عقلية أخلاقية عالية من النادر أن تجد مثلها, شخصية متميزة ما شاء الله. فكان رد الرجل “تأخذ فتوى طنطاوي وعلي جمعة, ولا حرج عليها إن شاء الله”… رغم أن هذا الشيخ الجليل نفسه كان من أشد مهاجمي طنطاوي وعلي جمعة في فتواهما بشأن فوائد البنوك.

ما فعله هذا الشيخ في فتواه أنه قدم الأخلاق على أحكام الدين, وساعده في أمر بعض المشايخ الذين نعلم جميعا كيف يديرون مثل تلك الفتاوى…

لكن الرجل, مع رفضه للإفتاء, في درس ديني, بفتوى مخالفة للشرع, ومع رفضه كذلك لإفتاء هذه المرأة المسكينة بفتوى غير أخلاقية … آثر أن يقدم الخلق على الشرع بأسلوب جميل … لكنه, حتى في رأيه هو في إجاباته الأخرى, يظل مخالفا للشرع …

وهكذا, أحيانا نضطر للتحايل مع الشرع, كي نلتزم بالأخلاق …

لكن, ماذا لو نظرنا للأخلاق من منظور آخر؟

ماذا لو نظرنا للأخلاق عملا بقوله تعالى “لعلكم تعقلون” وقوله “لعلكم تذكرون”… حينها يتغير الوضع تماماً

  • ما القيمة الحقيقية في الالتزام بنص شرعي يجلب الالتزام به ضرراً كبيراً؟
  • أليس الأصل في الشريعة أنها “تحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد”؟
  • أليس هذا كلام الإمام ابن القيم رحمه الله الذي يعد أحد أقطاب المدرسة الحنبلية في صورتها الأقرب للنص والدليل التي أسسها ابن تيمية رحمه الله؟

لو نظرنا إلى فعل عمر رضي الله عنه في عام الرمادة, وكيف تعامل مع المجاعة وتجنب تنفيذ حد السرقة عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “ادرءوا الحدود بالشبهات”…

لو وعينا هذا, لتبين لنا أن الأصل في تنفيذ الشريعة هو الالتزام الأخلاقي بحماية المجتمع ومصالحه, لا في التطبيق الحرفي للنصوص حتى لو عادت على المجتمع بالضرر.

وهنا, وحيث أننا أقررنا, من خلال الآيات أعلاه, أن الأخلاق في الأساس عملية عقلية تحتاج إلى التدبر والفهم, يمكننا أن نفهم الآن لماذا وضع الأخلاق بهذه الحالة في أغلب الدول الإسلامية, مما جعل معدلات الفساد مرتفعة في كافة الدول الإسلامية بما فيها تلك التي تدعي الحكم بالشريعة كالسعودية… وفي مصر الأوضاع طبعا أسوأ بكثير.

إحدى المشاكل الخطيرة في المجتمعات المسلمة, هي مسألة التسليم. فالأصل في المسلم أن يسلم الأمر والحكم لله عز وجل, وأن يطيع الله سبحانه وتعالى فيما أمر.

لكن هذا الأمر يحدث بصورة خاطئة, فالتسليم لله أصبح يعني الانقياد لفتاوى العلماء, وتجد أسئلة عجيبة لا علاقة لها بالواقع, مثل فتاوى بول الرسول ورضاع الكبير, ومثل فتاوى جواز قتل المتظاهرين باعتبارهم خوارج, هذه الفتاوى العجيبة تأتي ردا على أسئلة أعجب منها, انظر لكم الأسئلة التي تطرح في موضوع كالحجاب مثلا, رغم أن الحجاب من أوله لآخره هو وسيلة حماية للمرأة من العدوان عليها أو التحرش بها.

ورغم بساطة الفكرة, إلا أن التطبيق جعلها فكرة شديدة الصعوبة والتعقيد, شروط معينة وأشكال معينة …

قالوا لنا قديما يجب أن نحول حياتنا إلى عبادة لله, لكننا أخذنا العبادة على أنها توقيفية, أي تتم بصورة معينة كالصلاة والصوم والحج.

المشكلة أننا حاولنا أن نمارس حياتنا كلها بنفس الطريقة, وحيث أن  هذا مستحيل, فقد سقطنا في الأزمة الحالية منذ قرون, ولم نخرج منها حتى الآن.

وهكذا, كل شيء في الحياة أصبح مرجعه الأول والأخير عالم الدين, وكنتيجة طبيعية لهذا, تجد علماء الدين يسألون في أسئلة تشمل أمورا هم أبعد ما يكونون عن دراستها أو التبحر فيها, فما استيعاب عالم في أصول الفقه مثلا لدقائق السياسة؟ أو مسائل علم النفس؟ أو مخاضات علم الاجتماع؟ وكيف يفتي عالم شريعة لم يدرس الطب في أدوية لها تأثير مسكر مثلا يتناولها مريض نفسي؟ وكيف يفتي عالم شريعة لم يدرس الاقتصاد في أحكام البنوك؟

ثم بعدها نقول أن الشريعة تدعو للأخلاق؟

بالوضع الحالي يا سيدي, الإثنان لا علاقة لهما بالآخر.

كيف الخروج من هذا الوضع؟

يجب أن نعود للأصل, للقرآن, للآيات العظيمة التي تتحدث عن الأخلاق, نعمل بما أمرنا الله تعالى به, التذكر والعقل … بدون فهم الأخلاق والتفكر فيها, لن يمكننا حقا العمل من خلالها.

إلى جانب هذا, يجب أن يكون التعليم ملهما للطلبة في الجانب الأخلاقي.

كيف هذا؟

سؤال: كيف يتعلم الطلبة الأخلاق في البلدان التي لا تدرس الدين في مناهج التعليم؟

تنبني فكرة تعليم الأخلاق في نظم التعليم اللادينية, كأغلب دول العالم, على أساس تحقيق الاستفادة الفردية والجماعية من الأخلاق, فمجتمع بلا أخلاق هو مجتمع غير مستقر, ولا يمكنه تحقيق نمو أو تقدم.

طيب, كيف يمكن أن يتعلم الناس الأخلاق بدون الإيمان بالله واليوم الآخر؟

يجب أن يعلم الناس, حتى البسطاء وغير المتعلمين, أنه بإيذائه لغيره إنما يلحق الضرر بنفسه, وأنه حين يستخدم وسيلة غير أخلاقية لتحقيق ما يريد, إنما هو يدعو غيره للقيام بمثل ما يفعل, وبالتالي تنتشر الأخلاق السيئة في المجتمع ويصبح المجتمع كله ضحية لها.

هذه الفكرة على بساطتها هي جزء يسير جدا مما دعتنا له الآيات حين أمرتنا بالعقل والتذكر.

بهذه الفكرة, يمكنك أن تسأل شخصا لا تعرفه في شوارع بلاد لا تؤمن بالإسلام, كنيويورك ودالاس وغيرها, وتتوقع أن يعطيك من تسأله الإجابة الصحيحة.

أما في مصر, حيث ينتشر التعليم بقال الله وقال الرسول, تتوقع -لو كنت أجنبيا أو خليجيا- أن يحاول الشخص أن يستغلك أولا ويحصل منك على أي قدر من المال…

لماذا لم يحقق التعليم الديني نفس النتائج التي حققها تعليم الأخلاق في بلادنا, كما تشير أدلة كثيرة منها مثلا معدلات الفساد المرتفعة؟

مشكلة التعليم الديني في أغلب بلادنا أمران:

1– أننا تعاملنا مع الدين كبديل للعقل, طالما شغلت دماغك فأنت ضد الدين, وبالتالي يصبح الوصول للقناعات الأخلاقية بصورة منطقية مسألة مرفوضة من الأساس؛ أو كما قال أحدهم حين سأله شخص غير مسلم عن سبب عدم أكل لحم الخنزير, قال “لأن الله أمرنا بهذا” فرد غير المسلم: “وهل أمرك أيضا بأن توقف عقلك عن التفكير” فبهت هذا الأخ ولم يعط جواباً.

2– أن الاعتقاد الديني, رغم أنه أتى للدين والدنيا, إلا أن فهمنا العام يجعلنا نعتقد أن الدين مجاله الآخرة فقط. وحيث أننا نعيش في الدنيا, خلاص يمكننا أن نفعل ما نريد, ويوم القيامة يحلها ربنا.

طبعاً هذا الاعتقاد الفاسد هو نتيجة فهم خاطئ للدين, فالدين غرضه تحقيق مصالح العباد في دنياهم أيضا, ولن يتحقق هذا إلا إذا استوعبت عقولنا وقلوبنا أهمية الدين في حياتنا, وكي يحدث هذا فلا بد من عرض الدين بصورة تجعله محبباً للنفوس ومقنعاً للعقول, لا بالصورة التي يعرض بها حالياً, صورة تجعل عالماً له كتب ومؤلفات كثيرة في الدين يقف أمام الجنود ناصحاً إياهم بقتل معارضي الحاكم الظالم.

لن يحدث هذا لو تحول الدين من مجرد نصوص إلى أفكار وقناعات حقيقية نتحرك بها في حياتنا.

قالوا لنا قديماً لن ينصلح حال الدنيا إلا بالدين, لكن تجربة المسلمين في القرون الثلاثة المنصرمة تثبت لما لا يدع مجالاً للشك أنه لن ينصلح حال الدين إلا بصلاح الدنيا أولاً.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

شاهد ايضا
كم ذا بمصر من "خاشقجي".. ولكن لا بواكي لهم
كم ذا بمصر من “خاشقجي”.. ولكن لا بواكي لهم
منذ اختطاف الصحفي الشهيد "جمال خاشقجي" رحمه الله تعالى داخل سفارة دولته بمدينة إسطنبول التركية، قامت الدنيا ولم تقعد منذ تلك اللحظة، في
الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم